من القيم الإنسانية التي عظم أمرها الإسلام: الحرية، التي ترفع من الإنسان كل ألوان الضغط والقهر والإكراه والإذلال. وتجعله كما أراد الله له : سيداً في الكون، عبداً لله وحده،الحرية ملازمة للكرامة الإنسانية، فهي حق طبيعي لكل إنسان، وهي أغلى وأثمن شيء يقدسه ويحرص عليه.
يقول الإمام البنا:"الإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكيها ، ويقررها للأفراد والأمم والجماعات بأفضل معانيها ، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها ".( الرسائل:330)
وسيرة الخلفاء الراشدين في احترام الحرية وحق النقد وضرورته خير شاهد عملي على إبراز قيمته وأهميته في الإسلام، كما قال عمر -رضي الله عنه-:"أيها الناس، من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقوِّمه،فيجيبه أعرابي: والله يا أمير المؤمنين لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا هذه، فيقول أمير المؤمنين مغتبطاً:الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوج".
وفي حادث آخر قال رجل لعمر-رضي الله عنه-:"اتق الله يا أمير المؤمنين ، فرد عليه آخر: تقول لأمير المؤمنين: اتق الله ؟! فقال عمر: دعه فليقلها، فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم".
الحرية من مقاصد الشريعة:
ومقصد الحرية من المقاصد الكلية التى دعا إليها الإسلام وحافظ عليها،لأنها تحفظ حقوق النفس والدين والعقل والمال والعرض.
ومن أجل أهميتها لابد أن يتضمنها الدستور وينص على الحرية الفردية والجماعية كما أقرها الإسلام الحرية الفكرية والإبداعية والاعتقادية ، حتى يستطيع أن تخلق إنسانًا له إرادة . يقول ابن عاشور : " الشارع متشوق للحرية ". (مقاصد الشريعة:ابن عاشور : 39)ويقول الإمام البنا : " إن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلاً عن السيادة ولا يجوز الاعتداء على الحرية لأنه يعد نوعاً من أكبر أنواع الظلم ".( الرسائل : 202)
الحرية منضبطة:
والحرية فى الإسلام منضبطة،لا تطلق الإنسان وراء أهوائه وشهواته يأكل ما يشاء ،ويفعل ما يشاء ،ويحقق كل ما يهوى ويريد،فذلك فوضى ،لأن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة.ولكن الحرية فى الإسلام منضبطة ، تجعل الإنسان يتغلب على شهواته وملذاته ليكسب الدنيا والآخرة.
الحرية في الإسلام معناها :تمام العبودية ،وهي ألا يستعبدك أحد أو شيء سوى الله رب العامين،فلا يستعبدك الأشخاص ،ولا تستعبدك الملذات والشهوات.
الحرية فى الإسلام: لا تجعل الإنسان عبدا لهواه ،تستعبده اللذة ،أسيرا لها يجرى تحت إرادتها أينما توجهه سار خلفها.لأنه لو أطلقها من كل قيد وضابط ، ستكون الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى ، التي يثيرها الهوى والشهوة ، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه ،وإنما تمامُ الحرية - لا كمالُها - قد يكون بالمنع أحيانًا؛ فالمريضُ حين يُمنع عن الطعام الذي يضره هو حرٌّ لم يُنْتَقَصْ من حريته فتيلٌ ولا قطميرٌ؛ فذلك المنع إنما هو منعٌ مؤقتٌ؛ لتسلم له بعد ذلك حريتُه في تناول ما يشاء من الأغذية.والمجرمُ تُحَدُّ حريتُه مؤقتًا؛ ليعرف كيف يستعمل حريته بعد ذلك في إطار كريم، لا يؤذي نفسه، ولا يؤذي الآخرين.ثم إن الإنسانَ مدنيٌّ بطبعه؛ فلا يعيش وحده، وإنما يعيش في مجتمعٍ متماسك يؤذيه كلُّه ما يؤذي بعضَه، ومن هنا كانت الحريّةُ المطلقةُ فوضى.وفي الفوضى التي يعبر عنها الناسُ بالحرية الشخصية عبوديةٌ ذليلةٌ لمن هو مثلُك، أو دونك من قيم الحياة المادية؛ فحين تستولي على الإنسان عادة الانطلاق وراء كلِّ لذةٍ، والانفلاتِ من كلِّ قيد يكون قد استعبدته اللذةُ على أوسع مدى، فيصبح أسيرًا لها مُكَبَّلًا في أغلالها، لا يجري في الحياة إلا لأجلها، ولا يعمل إلا وَفْقَ ما تريد؛ فهذه الحريةُ التي تنقلب إلى عبودية أهونُ ما في الحياة من قيمة ومعنى. ولئن كانت قيمةُ الإنسان بمقدار ما يناله من لذائذه، فإن الحيوانَ أكثرُ منه قيمة، وأعلى قدرًا.وحين ينطلق الإنسانُ وراء فتاةٍ يهواها، أو وراءَ الغانيات يشبع بهن لذائذَه، أيستطيع أن يزعم أنه حرٌّ من سلطانهن؟ !! أو تراه أسيرَ اللحظات، رهنَ الإشارةِ، شاردَ اللبِّ، مُعَنّى القلبِ أقصى أمانيه في الحياة بسمة من حبيبٍ هاجرٍ، أو وصال من جسم ممتنع؟ !
أيةُ عبوديةٍ أذلُّ من هذه العبودية، وهو لا يملك زِمامَ نفسِه، ولا حريّةَ قلبِه؛ فلا يتحكَّم في حبه ولا بغضه، ولا رضاه، ولا غضبه؟ ! (أنظر: أحكام الصيام وفلسفته:مصطفى السباعى:54 وما بعدها)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فإنَّ أسْرَ القلبِ أعظمُ من أسر البدن، واستعبادَ القلب أعظمُ من استعباد البدن؛ فإن من استُعْبِد بدنُه، واستُرِقّ وأُسِر لا يبالي إذا كانَ قلبُه مستريحًا من ذلك مطمئنًّا، بل يمكنه الاحتيالُ في الخلاص؛ وأما إذا كان القلب - الذي هو مَلِك الجسم - رقيقًا مستعبدًا متيَّمًا لغير الله؛ فهذا هو الذلُّ، والأسرُ المَحْضُ، والعبوديةُ الذليلة لما استعْبَدَ القلبَ. وعبوديةُ القلب، وأسرُه هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلمَ لو أسره كافرٌ أو استرقّه فاجرٌ بغير حق؛ لم يضرَّه ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استُعْبِد بحق إذا أدّى حقَّ الله وحقَّ مواليه فله أجران، ولو أُكره على التكلّم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضرَّه ذلك.
وأما من استُعْبِد قلبُه، فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره , ذلك ولو كان في الظاهر ملكَ الناس؛ فالحريةُ حريةُ القلب، والعبوديةُ عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.( الفتاوى الكبرى:ابن تيمية:(10 / 186-189).
وعن أبى هريرة –رضي الله عنه-قال:قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"ليس الغنى عن كثرة العرض؛ وإنما الغنى غنى القلب ".( أخرجه:البخارى (5/2368 ، رقم 6081) ، ومسلم (2/726 ، رقم 1051).
ضوابط الحرية العامة:
ولذلك وضع قيودا" ضرورية" ، تضمن حرية الجميع ، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي :
1- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه .
2- ألا تفوت حقوقا أعم منها ، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها .
3- ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين .
أنواع الحرية
تنقسم الحرية إلى نوعين رئيسيين،حرية متعلقة بحقوق الفرد المادية ،وحرية متعلقة بحقوق الفرد المعنوية .
القسم الأول :الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية :-
وهذا القسم يشمل الحريات التالية
أ ) الحرية الشخصية :
والمقصود بها : أن يكون الإنسان قادرًا على التصرف في شئون نفسه ، وفي كل ما يتعلق بذاته ، آمنا من الاعتداء عليه ، في نفسه وعرضه وماله ، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره .
والحرية الشخصية تتضمن شيئين .
1 -حرمة الذات :
وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان ، وعلو منزلته . فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره ، قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }(الإسراء:70)، وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }( البقرة:30). وميزه بالعقل والتفكير تكريما" له وتعظيما" لشأنه ، وتفضيلا" له على سائر مخلوقاته ، وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قالت:" لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر قال وعزتى ما خلقت خلقا أعجب إلى منك بك آخذ وبك أعطى وبك الثواب وعليك العقاب".( أخرجه:أبو نعيم فى الحلية (7/318) ، والديلمى (1/13 ، رقم 4) .
وفي هذه النصوص ما يدعو إلى احترام الإنسان ، وتكريم ذاته ، والحرص على تقدير مشاعره ، وبذلك يضع الإسلام الإنسان ، في أعلى منزلة ، وأسمى مكان ، حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه ، اعتداء على المجتمع كله ، والرعاية له رعاية للمجتمع كله ، وقال تعالى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (المائدة:32 )،وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد ، يتحقق أيا كان الشخص ، رجلا أو امرأة ، حاكما أو محكوما ، فهو حق ثابت لكل إنسان ، من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين . حتى اللقيط في الطرقات ونحوها ، يجب التقاطه احتراما لذاته وشخصيته ، فإذا رآه أحد ملقى في الطريق ، وجب عليه أخذه ، فان تركوه دون التقاطه أثموا جميعا أمام الله- تعالى -، وكان عليهم تبعة هلاكه . هذا وكما حرص الإسلام على احترام الإنسان حيا ، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتا ، فمنع التمثيل بجثته ، والزم تجهيزه ومواراته ، ونهى عن الاختلاء والجلوس على القبور.
2 - تأمين الذات :
بضمان سلامة الفرد وأمنه في نفسه وعرضه وماله ،فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح ، أو أي شكل من أشكال الاعتداء ، سواء كان على البدن ، كالضرب والسجن ونحوه ، أو على النفس والضمير ، كالسب أو الشتم والازدراء والانتقاص وسوء الظن ونحوه ، ولهذا قرر الإسلام زواجر وعقوبات ، تكفل حماية الإنسان ووقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه ، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية . وكلما كان الاعتداء قويا كان الزجر أشد ، ففي الاعتداء على النفس بالقتل وجب القصاص،كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}(البقرة:178)، أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع وجب القصاص أيضا كما قال تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } ومنع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - الولاة من أن يضربوا أحدا إلا أن يكون بحكم قاض عادل ، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل انه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحدا من الرعية ، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك .
• قال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- لواليه عمرو بن العاص-رضي الله عنه-:"متى استعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
ب)حرية التنقل :
والمقصود بها : أن يكون الإنسان حرا في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه . والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي ، تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه ، ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها ، بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير حرية التنقل بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }( الملك:15)،ولا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة ، كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في طاعون عمواس ، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام ، الذي كان به هذا الوباء ، ولم يفعل ذلك إلا تطبيقا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم –الذى قال فيه:" إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه". أخرجه:والبخارى (5/2163 ، رقم 5397) ، ومسلم (4/1740 ، رقم 2219)،عن عبد الرحمن بن عوف-رضي الله عنه-.
ولأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل ، حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين ، والتربص لهم في الطرقات ، وأنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل والنهب والسرقة ، قال تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ } (المائدة:33).
ولتأكيد حسن استعمال الطرق وتأمينها ، نهى النبي -صلى الله عليه وسلم -صحابته عن الجلوس فيها ، فعن أبى سعيد-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قال:" إياكم والجلوس على الطرقات فإن أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ".( أخرجه: البخارى (2/870 ، رقم 2333) ، ومسلم (3/1675 ، رقم 2121)
فالطرق يجب أن تفسح لما هيئ لها ، من السفر والتنقل والمرور ، وأي استعمال لغير هدفها محظور لا سيما إذا أدى إلى الاعتداء على الآمنين ، ولأهمية التنقل في حياة المسلم وأنه مظنة للطوارئ ، فقد جعل الله تعالى ابن السبيل- وهو المسافر- أحد مصارف الزكاة إذا ألم به ما يدعوه إلى الأخذ من مال الزكاة ، ولو كان غنيًّا في موطنه .
ج)حرية المأوى والمسكن :
فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه ، فله حرية ذلك ، كما أن العاجز عن ذلك ، ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب ، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته .روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم –قال:"من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ".( أخرجه:مسلم (3/1354 ، رقم 1728)،و أحمد (3/34 ، رقم 11311)وغيرهما).
وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيئ عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه .
فإذا ما ملك الإنسان مأوى ومسكن ، فلا يجوز لأحد ، أن يقتحم مأواه ، أو يدخل منزله إلا بإذنه ، حتى لو كان الداخل خليفة ، أو حاكما أعلى -رئيس دوله-ما لم تدع إليه ضرورة قصوى ، أو مصلحة بالغة ، لأن الله تعالى يقول :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{27} فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{28}(النور)
وإذا نهي عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها ، فالاستيلاء عليها ، أو هدمها أو إحراقها من باب أولى ، إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة ، بعد ضمان البيت ضمانا عادلا ، وهذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد ، أو بناء شارع ، أو إقامة مستشفى ، أو نحو ذلك ، وقد أجلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -أهل نجران ، وعوضهم بالكوفة ولحفظ حرمة المنازل وعظمتها .وحرم الإسلام والتجسس،فقال تعالى:{وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً }(الحجرات:12).
وذلك لأن في التجسس انتهاكا لحقوق الغير ، والتي منها : حفظ حرمة المسكن ، وحرية صاحبه الشخصية بعدم الإطلاع على أسراره، بل وبالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والدية عمن انتهك له حرمة بيته ، بالنظر فيه ونحوه يدل على ذلك حديث أبى هريرة -رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم –يقول:"من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه".( أخرجه: أبو داود (4/343 ، رقم 5172) .و هدرت : أي لاضمان على صاحب البيت . فعين الإنسان -رغم حرمتها وصيانتها من الاعتداء عليها ، وتغليظ الدية فيها -لكنها هنا أهدرت ديتها بسب سوء استعمالها واعتدائها على حقوق الغير .
د)حرية التملك :
ويقصد بالتملك : حيازة الإنسان للشيء وامتلاكه له ، وقدرته على التصرف فيه ، وانتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية وله أنواع ووسائل نوجزها في الآتي :
1 - أنواع الملكية :
للملكية أو التملك نوعان بارزان ، هما : تملك فردي ، وتملك جماعي .
أولا:التملك الفردي :
هو أن يحرز الشخص شيئا ما ، وينتفع به على وجه الاختصاص والتعيين .
وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك ، وجعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي ، ورتب على هذا الحق نتائجه الطبيعية في حفظه لصاحبه ، وصيانته له عن النهب والسرقة ، والاختلاس ونحوه،ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه ، ضمانا له لهذا الحق ، ودفعا لما يتهدد الفرد في حقه المشروع . كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى ، وهي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء ، والإجارة والرهن ، والهبة والوصية وغيرها من أنواع التصرف المباح .
غير أن الإسلام لم يترك (التملك الفردي) مطلقا من غير قيد ، ولكنه وضع له قيودا كي لا يصطدم بحقوق الآخرين ، كمنع الربا والغش والرشوة والاحتكار ونحو ذلك ، مما يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة . و هذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل والمرأة كما قال الله تعالى:{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ}(النساء:32).
ثانيا:التملك الجماعي :
و هو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير ، أو بعض جماعاته ، ويكون الانتفاع بآثاره لكل أفراده ، ولا يكون انتفاع الفرد به ، إلا لكونه عضوا في الجماعة ، دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه مثاله : المساجد والمستشفيات العامة والطرق والأنهار والبحار وبيت المال ونحو ذلك . وما ملك ملكا عاما يصرف في المصالح العامة ، وليس لحاكم أو نائبه أو أي أحد سواهما أن يستقل به أو يؤثر به أحدًا ليس له فيه استحقاق بسب مشروع وإنما هو مسئول عن حسن إدارته وتوجيهه التوجيه الصحيح الذي يحقق مصالح الجماعة ويسد حاجاتها .
هـ)حرية العمل :
العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام ، وله شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة . ولأهمية العمل في الإسلام ، اعتبر نوعا من الجهاد في سبيل الله ، كما روى ذلك عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه –قال:"مر على النبي -صلى الله عليه وسلم -رجل ، فرأى أصحاب الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جلده ونشاطه ، فقالوا : يا رسول الله ، لو كان هذا في سبيل الله ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن كان خرج يسعى على ولده صغارا ، فهو في سبيل الله ، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين ، فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان". (أخرجه :النسائى فى الصغرى:(2/367 رقم 3074)،والبيهقى في شعب الإيمان(6/185 رقم 7853).
وعن جابر-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قال:"دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".( أخرجه:مسلم (3/1157 ، رقم 1522) ، وأبو داود(3/270 ، رقم 3442) ، والترمذى (3/526 رقم 1223) وقال : صحيح.
وهكذا نجد كثيرا من نصوص الكتاب والسنة ، تتحدث عن العمل ، وتحث عليه ، وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد ونجارة السفن ، وفلاحة الأرض ، ونحو ذلك ، لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء ، والبقاء -من حيث هو - هدف مرحلي للغاية الكبرى ، وهي عبادة الله ، وابتغاء رضوانه ، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة ، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى ، وبالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل والتضحية ، وإنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته وأهميته للوجود الإنساني ، وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان .
القسم الثاني:الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية :
وهذا القسم يشمل الحريات التالية :
أولا-حرية الاعتقاد:
ويقصد بها : اختيار الإنسان لدين يريده بيقين ، وعقيدة يرتضيها عن قناعة ، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك . فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان ، ويجعل المكره مسلوب الإرادة ، فينتفي بذلك رضاه واقتناعه وإذا تأملنا قول الله تعالى:{أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }(يونس:99). ويقول سبحانه:{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ }(البقرة:256). لأن اعتناق الإسلام ينبغي أن يكون عن اقتناع قلبي واختيار حر، لا سلطان فيه للسيف أو الإكراه من أحد. وذلك حتى تظل العقيدة قائمة في القلب على الدوام، فإن فرضت بالإرغام والسطوة، سهل زوالها وضاعت الحكمة من قبولها، قال الله تعالى:{فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }(الكهف:29).
يقول الإمام البنا:"قرر حرية العقيدة والتعبد وما يلحق بهما فقال القرآن الكريم :{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(البقرة:256) ، كما كان شعا التعامل بين المواطنين في أرض الإسلام دائماً (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) ، وليس وراء ذلك من التسامح زيادة لمستزيد". (الرسائل:287).
ويقول صاحب الظلال:"إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق « الإنسان » التي يثبت له بها وصف « إنسان » . فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد ، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء . . ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة ، والأمن من الأذى والفتنة . . وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة ،والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة ، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين؛ وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين . فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المعتسفة وهي تفرض فرضاً بسلطان الدولة؛ ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!( الظلال:1/270).
ويقول الشيخ الغزالى:"إن الإكراه لا يكون في العقائد، إنه على العكس ينفر منها ويسىء بها الظنون، وطبائع الأشياء ترسم للعقائد طريقا يبدأ حتما من الحرية العقلية المطلقة. تتزاحم الأفكار والمبادئ أمام الإنسان فيؤثر منها ما يراه أولى بالاعتناق وأجدر بالاتباع، فإذا اختار فكرة ما خلطها بشعوره، ورأى على توالى الأيام أنها أصبحت شطر نفسه، ثم تمتزج بعقله وعاطفته فيصدر عنها فى تصرفاته ويحب ويكره على أساسها، وتزداد الفكرة تغلغلا فى وعى المرء، فبعد أن كان يدفع عنها كما يدفع عن نفسه، يفتديها بنفسه وأولاده وما يملك".( الإسلام والاستبداد السياسي:محمد الغزالي-دار نهضة مصر-الطبعة : الأولي-ص:95).
كل هذه الآيات والآثار وغيرها ، تنفي الإكراه في الدين ، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به .
هذا ويترتب على حرية الاعتقاد ما يلي :
1- إجراء الحوار والنقاش الديني :
وذلك بتبادل الرأي والاستفسار في المسائل الملتبسة ، التي لم تتضح للإنسان ، وكانت داخلة تحت عقله وفهمه -أي ليست من مسائل الغيب - وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه ، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة ورضا وطواعية ، بل إن إبراهيم -أبا الأنبياء عليه السلام -حاور ربه في قضية الإحياء والإماتة ليزداد قلبه قناعة ويقينا وذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(البقرة:260).
بل إن في حديث جبريل عليه السلام ، الذي استفسر فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم -عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة دليلًا واضحًاعلى تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية ، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم ، أو بينهم وبين أصحاب الأديان الأخرى ، بهدف الوصول إلى الحقائق وتصديقها ، لا يقصد إثارة الشبه والشكوك والخلافات ، فمثل تلك المناقشة ممنوعة ، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين
2 - ممارسة الشعائر الدينية:
وذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية ، دون انتقاد أو استهزاء ، أو تخويف أو تهديد ، ولعل موقف الإسلام الذي حواه التاريخ تجاه أهل الذمة -أصحاب الديانات الأخرى -من دواعي فخره واعتزازه ، وسماحته ، فمنذ نزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة المنورة أعطى اليهود عهد أمان ، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم وعقيدتهم ، وإقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم . ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون ، فكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - لأهل إيلياء -القدس- معاهدة جاء فيها : هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين ، أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أمانا على أنفسهم ، ولكنائسهم وصلبانهم ، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من غيرها ولا من صلبهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم . وها هم علماء أوروبا اليوم ، يشهدون لسماحة الإسلام ، ويقرون له بذلك في كتبهم . قال ميشود في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية ) : إن الإسلام الذي أمر بالجهاد ، متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وهو قد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب ، وقد حرم قتل الرهبان -على الخصوص - لعكوفهم على العبادات ، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس ، وقد ذبح الصليبيون المسلمين وحرقوا اليهود عندما دخلوها أي مدينة القدس .
وتتمثل حريتهم الدينية فيما يأتي:
1-عدم إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة:
يقول الله سبحانه وتعالى: :{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ }(البقرة:256).
2-من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم،:
فلا تهدم لهم كنيسة، ولا يكسر لهم صليب.بل من حق زوجة المسلم " اليهودية والنصرانية " أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد، ولا حق لزوجها في منعها من ذلك.
3-أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره:
فلا يقتل لهم خنزير، ولا تراق لهم خمر، مادام ذلك جائزا عندهم، وهو بهذا وسع عليهم أكثر من توسعته على المسلمين الذين حرم عليهم الخمر والخنزير.
4-لهم الحرية في قضايا الزواج، والطلاق، والنفقة:
ولهم أن يتصرفوا كما يشاءون فيها، دون أن توضع لهم قيود أو حدود.
5-حمى الإسلام وكرامتهم، وصان حقوقهم:
وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع التزام الأدب والبعد عن الخشونة والعنف.يقول الله تعالى:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }(العنكبوت:46 ).
6-سوى بينهم وبين المسلمين في العقوبات، في رأي بعض المذاهب.
وفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم، فلا يرث الذمي قريبه المسلم، ولا يرث المسلم قريبه الذمي.
7-أحل الإسلام طعامهم، والأكل من ذبائحهم، والتزوج بنسائهم:
يقول الله سبحانه:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }(المائدة:5).
8- أباح الإسلام زيارتهم وعيادة مرضاهم:
وتقديم الهدايا لهم، ومبادلتهم البيع والشراء ونحو ذلك من المعاملات، فمن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في دين له عليه، وكان بعض الصحابة إذا ذبح شاة يقول لخادمه ابدأ بجارنا اليهودي.
قال صاحب البدائع: " ويسكنون في أمصار المسلمين، يبيعون ويشترون، لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة إلى إسلامهم، وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ في هذا المقصود، وفيه أيضا منفعة المسلمين بالبيع والشراء".
( أنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع-علاء الدين الكاساني-ت587-دار الكتاب العربي-1982-بيروت-(7/113)، فقه السنة:السيد سابق –دار الفتح-الطبعة الأولى(1421هـ=2000م):-(2/604)،الفقه الإسلامي وأدلته:8/331)
ثانيا- حرية الفكر والقول :
وتسمى أيضا بحرية التفكير والتعبير،وقد رغب الإسلام في التفكير والنظر الطليق والتأمل في أسرار الكون للتوصل بالعقل والمنطق إلى إثبات الصانع وإثبات النبوة وفهم ما جاء به الأنبياء والرسل والإفادة من كنوز الأرض، وجعل التفكير فريضة إسلامية، والآيات القرآنية المطالبة باستخدام الفكر كثيرة، منها قوله سبحانه: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }(يونس:101).وتختتم آيات كثيرة بعد بيان النظم الإسلامية في العقيدة وغيرها بأنها لقوم يعلمون، يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، لأولي الألباب، ونحوها.
ومن أجل تثبيت الدعوة إلى الفكر وإقرار أحكام العقل السديد، ندد الله سبحانه بالتقليد في أصول العقائد والشرائع لتكون العقيدة عن وعي وإدراك وإذعان، فقال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }(البقرة:170].وقال أيضا:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } (الحج:46].
وحرية الفكر تستتبع حرية الرأي والنقد والقول، وذلك واضح من مبدأ الإسلام في تكوين الشخصية الذاتية، والحض على صراحة القول، والأمر بالمعروف، وعدم إقرار المنكر، والجهر بالحق دون خشية من أحد أو مخافة لومة لائم، فلا يكون النقد حقاً فقط، وإنما هو واجب ديني أحياناً في ضوء مفاهيم الإسلام، وضرورة الحفاظ على أحكامه.( الفقه الإسلامي وأدلته:8/332).
عن تميم الدارى-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قال:" :"الدين النصيحة..".( أخرجه:مسلم (1/74 ، رقم 55)،و أحمد (4/102 ، رقم 16982)،وأبو داود (4/286 ، رقم 4944) ، والنسائى (7/156 ، رقم 4197).
يقول صاحب الظلال :"ملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية . والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن ، وتصبح مرتعاً لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة . وميداناً للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك . وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع ، وهو فساد أي فساد.( الظلال:1/270).
هذا ولإبداء الرأي عدة مجالات وغايات منها :
1 - إظهار الحق وإخماد الباطل :
قال تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }( آل عمران:104). فالمعروف هو سبيل الحق ، ولذلك طلب من المؤمن أن يظهره ، كما أن المنكر هو سبيل الباطل ، ولذلك طلب من المؤمن أن يخمده .
2 - منع الظلم ونشر العدل :
وهذا ما فعله الأنبياء والرسل إزاء الملوك والحكام ويفعله العلماء والمفكرون مع القضاة والسلاطين.
عن أبى سعيد-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قال:" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".( أخرجه :وأحمد (3/19 ، رقم 11159) ، والترمذى (4/483 ، رقم 2191) وقال : حسن صحيح ، والحاكم (4/551 ، رقم 8543) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (6/309، رقم 8289) .
3 - تقديم الأمور حسب أهميتها وأولويتها :
وهذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد ، وأكثر من مجتمع وقد يكون بأي أسلوب آخر ، إذ من الصعب حصرها ، ولكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره ، ويعود عليه بالفساد ، بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي ، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد ، لا كيف ينزل ، كيف يبني نفسه وأمته ، لا كيف يهدمها ، سعيا وراء شهوتها وهواها .
وباستعراض التاريخ الإسلامي ، نجد أن حرية الرأي طبقت تطبيقا رائعا ، منذ عصر النبوة ، فهذا الصحابي الجليل ، حباب بن المنذر ، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر ، على غير ما كان قد رآه النبي -صلى الله عليه وسلم -، فأخذ النبي- صلى الله علبه وسلم -برأيه ، وأبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك ، وأشاروا على النبي- صلى الله عليه وسلم- بتطليق زوجته عائشة -رضي الله عنها -إلا أن القرآن برأها ، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم .
وأهم القيود على هذه الحرية:
1- أن لا يكون في القول عدوان:
وأن يكون طيبا بعيدا عن الفحش والقبح وبذاءة اللسان، يقول المولى عز وجل: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ }(الحج:24 ).
2- الدعوة إلى الرأي بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن:لقوله تعالى:{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(النحل: 125).
3- أن يكون الكلام مطابقا للحقيقة صادقا مثبتا:
بعيدا عن الظن، فان الأصل في حرية القول هو الصدق في الأقوال؟ لان الكذب قبيح مذموم، فقد حث الإسلام على توخي الصدق لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }(التوبة:119).
4- أن لا يسمح بالمساس بالقواعد الخلقية:
ولا يسمح بتحسين الأقوال أو الأفعال القبيحة كالنفاق وتعاطي الرشوة، والتعامل بالربا، وفعل المنكرات.
5- عدم السماح بتشكيك الناس بمعتقداتهم:
ونشر الإلحاد في المجتمع، والعمل على تفريق الأمة والشعوب، كي تصبح شيعا يقاتل بعضها بعضا.
6- عدم الاجتراء على الأديان السماوية:
والإضرار بالإسلام وأهله عامة إذ تجب العقوبة حدا وتعزيرًا في هذه الحالة على المفسد المسيء لاستخدام الحرية.
7- تحري الحق والعدل:
وترك المحاباة والمجاملة التي تعلي الباطل وتزهق الحق،هذه الحرية الحقة المقننة بكل دقة لها ثمراتها على الفرد والمجتمع إذ هي تنشر الثقة بين أفراد الأمة، وتؤدي إلى نمو الإخاء والحب والاحترام بين الأفراد والشعوب، كما تؤدي إلى قوة بناء الأمة وتماسكها وتضامنها فلا يطمع فيها عدوها وتجعل من أمة الإسلام هي الأمة الداعية إلى الخير والسلام في العالم أجمع.
ثالثا:حرية التعلم :
طلب العلم والمعرفة حق كفله الإسلام للفرد ، ومنحه حرية السعي في تحصيله ، ولم يقيد شيئا منه ، مما تعلقت به مصلحة المسلمين دينا ودنيا ، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله ، وسلوك السبيل الموصل إليه ، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة ، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة ، فهذا منهي عنه ، ومحرم على المسلم طلبه ، مثل علم السحر والكهانة ، ونحو ذلك .
ولأهمية العلم والمعرفة في الحياة ، نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي- صلى الله عليه وسلم- بالقراءة قال تعالى :{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5}(العلق).
والقراءة هي مفتاح العلم ، ولذلك لما هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم-إلى المدينة ، ونصب عليه الكفار الحرب ، وانتصر المسلمون وأسروا من أسروا من المشركين ، جعل فداء كل أسير من أسراهم ، تعليم القراءة والكتابة لعشرة من صبيان المدينة ،وهذا من فضائل الإسلام الكبرى ، حيث فتح للناس أبواب المعرفة ، وحثهم على ولوجها والتقدم فيها ، وكره لهم القعود عن العلم والتخلف عن قافلة الحضارة والرفاهية والازدهار . و من أجل ذلك كان على الدولة الإسلامية ، أن تيسر سبل التعليم للناس كافة ، وتضمن لكل فرد حقه في ذلك لأن هذا الحق مضمون لكل فرد من رعاياها ، كسائر الحقوق الأخرى .
رابعا: الحرية السياسية :
ويقصد بها : حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم ، وانتخابها ، ومراقبة أدائها ، ومحاسبتها ، ونقدها ، وعزلها ، إذا انحرفت عن منهج الله وشرعه ، وحولت ظهرها عن جادة الحق والصلاح .
كما أنه يحق له المشاركة في القيام بأعباء السلطة ، ووظائفها الكثيرة ، لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة ، وليس حكرا على أحد ، أو وقفا على فئة دون أخرى واختيار الإنسان للسلطة ، قد يتم بنفسه ، أو من ينوب عنه من أهل الحل والعقد وهم أهل الشورى ، الذين ينوبون عن الأمة كلها في كثير من الأمور منها : القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، إذ الحاكم يرجع في ذلك ، إلى أهل الخبرة والاختصاص من ذوى العلم والرأي ، كما أنهم يوجهون الحاكم في التصرفات ذات الصفة العامة ، أو الدولية ، كإعلان الحرب ، أو الهدنة ، أو إبرام معاهدة ، أو تجميد علاقات ، أو وضع ميزانية أو تخصيص نفقات لجهة معينة أو غير ذلك من التصرفات العامة ، التي لا يقطع فيها برأي الواحد . قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }( النساء:58).
وعن تميم الدارى-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عله وسلم-قال:"الدين النصيحة . قلنا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".( أخرجه:مسلم (1/74 ، رقم 55)،و أحمد (4/102 ، رقم 16982)،وأبو داود (4/286 ، رقم 4944) ، والنسائى (7/156 ، رقم 4197).
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الشيخ/عبدالعزيز رجب
Zeka2040@yahoo.com